انتقل إلى المحتوى

شخصيات

إيلي صعب: من أتيليه في بيروت إلى الشارع التجاري

في 3 سبتمبر أعلنت إتش آند إم أن مصمم الأزياء الراقية اللبناني هو شريكها التالي في التعاون. قصة ورشة مراهق في بيروت صارت دارًا لها عطرها ومدرستها وأبراجها.

لقطة قريبة لتطريز بالخرز والترتر المنفّذ يدويًا على قماش سهرة
التطريز اليدوي والترتر في صميم تقليد الأزياء الراقية الذي بناه إيلي صعب في بيروت.Tim Mossholder / Unsplash

يوم الخميس 3 سبتمبر 2026، أعلنت «إتش آند إم» أن تعاونها التالي مع مصمم الأزياء سيكون مع إيلي صعب، مصمم الأزياء الراقية اللبناني الذي صارت أثوابه اختصارًا للأناقة على السجادة الحمراء في العالم العربي وخارجه. وتُطرح المجموعة للبيع في 22 أكتوبر في متاجر مختارة لـ«إتش آند إم» حول العالم وعبر الإنترنت، وتضم أول أزياء رجالية تحمل اسم إيلي صعب. وفي منطقة الخليج ستُباع في متاجر مختارة في الإمارات والسعودية والكويت والبحرين وقطر ومصر.

وبالنسبة إلى دار بدأت أتيليه لمراهق في بيروت، هذه خطوة غير معتادة. فقد أمضى إيلي صعب أكثر من أربعة عقود يبني اسمه على التطريز اليدوي والأقمشة الفاخرة والأثواب التي تستغرق أسابيع في صنعها. والآن سيظهر الاسم نفسه على شماعة إلى جانب ملابس أيسر منالًا بكثير.

ولفهم معنى ذلك، من المفيد تتبّع القصة منذ بدايتها.

ورشة في بيروت

وُلد إيلي صعب عام 1964 ونشأ في الدامور، البلدة الساحلية جنوب بيروت. وتختلف المصادر في تفاصيل حياته المبكرة. فتذكر «فاشن ترست أرابيا» أن مسقط رأسه الدامور، فيما تقول ويكيبيديا إنه بيروت، وتضيف أنه الأكبر بين خمسة أبناء وأن والده تاجر أخشاب. ويتفقان على الخطوط العامة: بدأ التصميم في طفولته، فصنع فساتين لأخواته في نحو التاسعة، أو الثامنة بحسب بعض الروايات.

وفي عام 1982 افتتح أول أتيليه للأزياء الراقية في بيروت، وكان في الثامنة عشرة. ويقع هذا التاريخ في خضم الحرب الأهلية اللبنانية، كما تلاحظ «ذا ناشيونال»، ما يجعل القرار أكثر لفتًا. وهو سياق لا موضوع هذه القصة، لكنه يفسّر لماذا أمضى مصمم شاب سنواته الأولى في بناء شيء يمكن حمله من غرفة إلى أخرى: مهارة وفريق وسمعة. بدأ بأثواب العرائس، وهي أكثر أنواع الخياطة شخصية وأشدها تطلبًا، وتقدّر ويكيبيديا فريق العمل الأول بـ15 موظفًا.

والأعراس في لبنان وعبر المنطقة مناسبات اجتماعية كبرى، وثوب العروس تحكم عليه عائلة بأكملها. وهذه البداية ما زالت تؤثر في الطريقة التي تقدّم بها الدار نفسها. فثوب العروس وثوب السهرة يُبنيان حول مناسبة، والمناسبة تحتاج إلى ثوب يصمد في الصور وفي الذاكرة. ولم يبتعد عمل صعب كثيرًا عن هذه الفكرة.

روما وميلانو وأولى السجادات الحمراء

أما الخطوات التالية فجرت في الخارج. ففي عام 1996 بدأ يلبّس المشاهير للسجادة الحمراء. وفي 1997 دُعي إلى الانضمام إلى «غرفة الموضة الوطنية الإيطالية» (Camera Nazionale della Moda) بوصفه أول عضو غير إيطالي فيها، وعرض في العام نفسه خارج لبنان للمرة الأولى، في روما. وبعد عام، في 1998، أطلق الأزياء الجاهزة في ميلانو.

يبيّن هذا التسلسل كم كان توسّع الدار منهجيًا. جاءت أثواب العرائس والأزياء الراقية أولًا، ثم السجادة الحمراء، ثم خط أزياء جاهزة يمكن شراؤه من الرف. وأضافت كل خطوة زبائن دون أن تبعد الاسم عن نقطة انطلاقه، وهي تقليد لبناني عريق في الخياطة والتطريز للمناسبات الخاصة.

ثوب الأوسكار وباريس

في عام 2002 ارتدت هالي بيري ثوبًا بلون العنابي من إيلي صعب حين فازت بجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة عن فيلم مونسترز بول (Monster’s Ball). وتقول ويكيبيديا إن تلك اللحظة صنعت اسمه في الولايات المتحدة. وتؤرّخ «فاشن ترست أرابيا» افتتاح صالونه الأول للأزياء الراقية في باريس، في الدائرة الثامنة، بالعام نفسه.

وفي العام التالي دُعي إلى الانضمام إلى الغرفة النقابية للأزياء الراقية (Chambre Syndicale de la Haute Couture)، وهي الهيئة الفرنسية التي تنظّم لقب دار الأزياء الراقية، وعرض أول مجموعة له من الأزياء الراقية في باريس. وتصفه «ذا ناشيونال» بأنه من أوائل المصممين غير الفرنسيين الذين قُبلوا فيها. وفي نوفمبر 2006 صار عضوًا مراسلًا. ولا تتفق المصادر في كل تاريخ ولا في وصف مكانته في الغرفة، لذا فالأسلم القول ببساطة إنه انضم إلى روزنامة الأزياء الراقية في باريس في مطلع الألفية وبقي فيها منذ ذلك الحين.

وفي عام 2005 افتتح مبنى من خمسة طوابق في وسط بيروت، وعرض في أكتوبر من العام نفسه الأزياء الجاهزة في باريس للمرة الأولى. فصار للدار بيت في كل مدينة: مقر في المكان الذي بدأت فيه، ومنصة في المكان الذي يراقب فيه العالم.

ما وراء الثوب

ومنذ مطلع العقد الثاني من هذا القرن، بدأ اسم إيلي صعب يظهر على أشياء إضافة إلى الملابس. فصدر «لو بارفان» عام 2011، وتقول ويكيبيديا إن العطّار فرانسيس كوركجيان ابتكره. وتبعه «روز كوتور» عام 2016. وفي عام 2012 أطلقت الدار برنامج بكالوريوس في تصميم الأزياء مع الجامعة اللبنانية الأمريكية وكلية لندن للأزياء. وفي عام 2018 أصدر لبنان طابعًا بريديًا تكريمًا له، وفي يناير 2020 أطلقت الدار «إيلي صعب جونيور»، خطًا للأطفال.

وهو نمط مألوف في دور الأزياء الكبرى، لكنه ينسجم أيضًا مع طريقة عمله. فالعطر والمدرسة وخط الأطفال كلها وسائل للوصول إلى زبون قد لا يطلب ثوبًا أبدًا، لكنه يعرف الاسم وما يمثّله. وفي العالم العربي، حيث ظل صعب أشهر مصممي الأزياء الراقية، يحمل الاسم أيضًا اعتزازًا وطنيًا: دار لبنانية معترف بها في باريس وعلى السجادات الحمراء حول العالم.

الصلة بالخليج

كان الخليج محوريًا في الفصل الأخير من قصة الدار. ففي نوفمبر 2024 احتفلت الدار بمرور 45 عامًا على تأسيسها بحدث حمل عنوان ألف موسم وموسم من إيلي صعب (The 1001 Seasons of Elie Saab) في الرياض. وتدرج ويكيبيديا التصميم الداخلي للمساكن ضمن أعماله، ومنها برج «غران بلو» في «إعمار بيتش فرونت» بدبي، وفي عام 2024 شراكة مع «ميرا ديفلوبمنتس» (MIRA Developments) لمشروع «بوست هوتل أند ريزيدنسز باي إيلي صعب».

أبراج سكنية على واجهة دبي البحرية
أفق واجهة دبي البحرية، حيث تحمل أبراج سكنية اليوم اسم إيلي صعب.

واختيار الرياض لمناسبة تخص دارًا بيروتية يوحي بمدى أهمية الخليج، سوقًا ومقرًا للزبائن، بالنسبة إليها.

وتبيّن هذه المشاريع مجتمعة دارًا صارت علامة أسلوب حياة إضافة إلى كونها علامة أزياء. فالثوب يُرتدى مرات قليلة، أما المسكن فيحمل اسم العلامة سنوات. ويتسق إعلان «إتش آند إم» مع الاتجاه نفسه، حيث يُعرض أسلوب إيلي صعب بمستويات أسعار متعددة وفي أكثر من جانب من الحياة اليومية.

ومنصبه الحالي رئيس مجلس الإدارة وكبير المسؤولين الإبداعيين، بحسب «ذا ناشيونال»، ما يعني أن المؤسس ما زال هو من يقرر ما تصنعه الدار.

مجموعة إتش آند إم

يضم شركاء «إتش آند إم» السابقون من المصممين كارل لاغرفيلد وفيرساتشي وبالمان وموسكينو وموغلر وغلين مارتنز، وهي قائمة تُظهر عادة الشركة في الجمع بين انتشارها الواسع وأسماء ذات هوية قوية. وينضم إيلي صعب إليها بوصفه أحدث الأسماء.

وتشمل المجموعة الأزياء النسائية والرجالية والإكسسوارات والأحذية. وبحسب «ذا ناشيونال» و«فاشن يونايتد»، تضم أثوابًا مطرّزة، وقطعًا منفصلة لامعة، وخياطة حادة القصّ، ودانتيلًا ناعمًا، والترتر المتدرج اللون المعروف بـ«ديغراديه» (dégradé)، وشعارات الدار. وتفيد «فاشن يونايتد» بأن هذه هي المرة الأولى التي يصمم فيها إيلي صعب أزياء رجالية، إذ اقتصرت الدار سابقًا على الأزياء النسائية.

ووصفت آن صوفي يوهانسون، المستشارة الإبداعية في «إتش آند إم» ورئيسة تصميم الأزياء النسائية، التعاون بأنه تعاون تاريخي، وقالت إن الزبائن يمكنهم توقع مجموعة ساحرة ومزخرفة وفائقة الفخامة. أما صعب نفسه فقال إن العملية كانت تعاونية وملهمة حقًا.

وبالنسبة إلى المتسوقين في الخليج، التفاصيل العملية واضحة. فتذكر «ذا ناشيونال» الإمارات والسعودية والكويت والبحرين وقطر ومصر أسواقًا إقليمية فيها متاجر مختارة، وستُباع المجموعة أيضًا عبر الإنترنت، وهذا مهم للقرّاء الذين لا يقيمون قرب أحد هذه المتاجر. المتاجر والمواعيد واضحة. أما ما ستبدو عليه الملابس في المتاجر، ومدى قربها من أعراف الأزياء الراقية، فلن يُعرف إلا حين تُطرح للبيع في 22 أكتوبر. ويصف الإعلان القطع لكنه لا يذكر أسعارًا.

ما الذي يسأله الشارع التجاري

التعاونات من هذا النوع مفاوضة بين فكرتين عن الفخامة. إحداهما تُصنع باليد بأعداد صغيرة لزبونة سترتدي الثوب مرة واحدة. والأخرى تُصنع بأعداد كبيرة لأناس يريدون قطعة من الإطلالة نفسها بسعر يناسبهم. والسؤال الذي يطرحه الشارع التجاري هو هل تحتفظ دار بُنيت على التطريز اليدوي بروحها حين تُصنع الخطوط نفسها للجميع.

وثمة ثلاثة أمور تستحق المراقبة حين تصل المجموعة: كيف سيُقصّ أول زي رجالي، وكيف سيُعالج الترتر المتدرج والدانتيل الناعم بسعر أقل، وكيف ستُستخدم الشعارات. وسيُظهر كل منها مقدار ما ينتقل من هوية الدار.

وتاريخ إيلي صعب يبعث بعض الطمأنينة، فقد عبر حدودًا كهذه من قبل. انتقل من أثواب العرائس إلى الأزياء الجاهزة عام 1998، ومن السجادة الحمراء إلى العطور عام 2011، ومن الأزياء إلى الإقامات المسماة باسم العلامة في وقت أحدث، موسّعًا الاسم في كل مرة إلى مجال جديد. وتشكّل مجموعة «إتش آند إم» اختبارًا جديدًا لذلك النهج، وفرصة لجمهور أوسع بكثير، ومنه كثير من القرّاء في الخليج، ليروا كيف تُترجم.

وحتى الآن، ما زالت القصة في افتتاحها. فشاب صنع فساتين لأخواته وافتتح ورشة في بيروت في الثامنة عشرة يوشك أن يرى اسمه في واجهات المتاجر في قارتين. ومن المتوقع أن تظل الأثواب على السجادة الحمراء تُصنع باليد على المنوال المعتاد، إذ إن مجموعة «إتش آند إم» مجموعة مستقلة وليست بديلًا لخط الأزياء الراقية. أما ما يتغير، ابتداءً من 22 أكتوبر، فهو عدد من سيتمكنون من تجربة الإطلالة بأنفسهم.

المصادر: The National، FashionUnited، Fashion Trust Arabia، Wikipedia