انتقل إلى المحتوى

ساعات

المستقلّون: الأرواح الحرّة في صناعة الساعات

قلّة من صانعي الساعات يعملون وحدهم أو في ورش صغيرة جدًا، وساعاتهم من أكثر الساعات طلبًا في العالم. من هم، ولماذا يهمّ ذلك؟

صانع ساعات متمرّس يفحص ساعات يد بعدسة مكبّرة تحت مصباح العمل
تمرّ معظم الساعات المستقلة بأيدٍ قليلة جدًا.Jimmy Liao / Pexels

تصنع الشركات معظم الساعات الراقية. لديها أقسام للتصميم وخطوط إنتاج ومراقبة للجودة وفرق للمبيعات، ونادرًا ما يلتقي من يجمّع الحركة بمن صمّمها. ليس هذا انتقادًا؛ فهكذا تُصنع آلاف الساعات بجودة ثابتة.

لكن إلى جانب الدور الكبرى ظلّ هناك تقليد آخر: صانع الساعات الذي يصمّم الساعة ويصنعها ويشطّبها وحده تقريبًا. وطوال معظم القرن العشرين كاد هذا التقليد ينقرض. واليوم هو أكثر زوايا عالم الساعات حضورًا في الأحاديث، وتنتقل ساعاته من يد إلى يد بمبالغ كانت ستدهش صانعيها قبل جيل.

معنى الاستقلال

تُستخدم الكلمة بتساهل، لذا يجدر التدقيق. صانع الساعات المستقل هو عادة من يملك ورشته، ويصمّم حركاته أو يعيد صياغتها جوهريًا، ويصنع عددًا قليلًا جدًا من الساعات كل عام، كثيرًا ما يقلّ عن مئة وأحيانًا عن عشر. وكثيرون منهم أعضاء في «الأكاديمية الساعاتية للمبدعين المستقلين»، المعروفة اختصارًا بـ AHCI، التي أسّسها صانعا الساعات سفيند أندرسن وفنسنت كالابريزي عام 1985 لتمنح الصنّاع الأفراد صوتًا جماعيًا.

لا يجمعهم أسلوب واحد بل موقف. ساعاتهم تحمل توقيع شخص لا علامة تجارية. وتُتّخذ القرارات على طاولة العمل لا في اجتماع. والتفاصيل التي قد تبسّطها شركة كبيرة لتسهيل الإنتاج، كشكل الجسر وحافة البرغي المشطوبة وطريقة سقوط الضوء على الميناء، تُعامل على أنها جوهر الأمر.

يدا صانع ساعات تعملان على ساعة يد تحت عدسة مكبّرة
التشطيب الذي لا يُرى إلا بعدسة مكبّرة جزء أصيل من عمل الصانع المستقل.

دانيالز والميزان

تبدأ أي حكاية عن صناعة الساعات المستقلة الحديثة بجورج دانيالز. وُلد في لندن عام 1926، ونشأ فقيرًا، وخدم في الجيش، وعلّم نفسه صناعة الساعات بإصلاحها. صار واحدًا من كبار المرجعيات في أعمال أبراهام لويس بريغيه، ثم كلّف نفسه بمهمة لم يكد يحاولها أحد: أن يصنع ساعة كاملة، كل قطعة فيها، بيديه.

صنع بضع عشرات من الساعات في حياته، بما صار يُعرف بطريقة دانيالز، وكلٌّ منها اليوم قطعة متحفية. لكن إسهامه الباقي كان اختراعًا. ففي السبعينيات طوّر ميزان الانفلات المحوري المشترك (Co-Axial)، وهو طريقة جديدة لإطلاق طاقة النابض الرئيسي تقلّل الاحتكاك الانزلاقي كثيرًا، ومعه الحاجة إلى التشحيم. سجّل براءته عام 1980 وأمضى سنوات يحاول إقناع الصناعة بتبنّيه. وأخيرًا فعلت أوميغا، فأطلقت أولى ساعاتها بهذا الميزان عام 1999. واليوم تحمل ملايين الساعات سليلًا لفكرة وُضعت على طاولة عمل واحدة في جزيرة مان.

لم يتّخذ دانيالز سوى تلميذ واحد، روجر سميث، الذي ما زال يصنع الساعات بيديه في الجزيرة نفسها. والخيط الممتد من بريغيه إلى دانيالز إلى سميث من أوضح الأمثلة على انتقال هذا النوع من المعرفة: لا عبر المدارس، بل من شخص إلى آخر.

وادي فيليب دوفور

إن كان دانيالز المنظِّر، ففيليب دوفور هو الحِرفي. وُلد عام 1948 في وادي جو، ذلك الوادي المرتفع البارد في جبال الجورا السويسرية حيث كانت صناعة الساعات يومًا عمل الشتاء لعائلات المزارعين. تدرّب هناك، وعمل لدى الدور الكبرى قبل أن يستقلّ بنفسه.

في عام 1992 قدّم أول ساعة يد بآلية «غراند سونري»، وهي آلية رنين تدقّ الساعات وأرباعها تلقائيًا، ومن أعقد ما يمكن أن تفعله ساعة. ثم مضى في الاتجاه المعاكس. فساعته «سيمبليسيتي» التي قدّمها عام 2000 ساعة بسيطة تعرض الوقت فقط مع عقرب ثوانٍ صغير. صُنع منها نحو مئتي قطعة على مدى قرابة عقد، شُطّبت كلٌّ منها يدويًا بمستوى ما زال صنّاع آخرون يتّخذونه مرجعًا.

لا يكمن تأثير دوفور في ساعة بعينها بقدر ما يكمن في فكرة أن البساطة، إذا نُفّذت بإتقان تام، قد تبهر بقدر ما يبهر التعقيد. ميناء بسيط، وحركة مشطّبة ببراعة تُرى من الخلف، ولا شيء غير ذلك: صار هذا لغة جيل كامل من المستقلين.

لقطة مكبّرة لتروس وعجلات معدنية صغيرة من ساعات قديمة
كل عجلة وكل ترس في حركة مشطّبة يدويًا يُشكَّل ويُصقل ويُفحص على حدة.

جورن والتوقيع

وُلد فرانسوا بول جورن في مرسيليا عام 1957، وتدرّب في باريس، ثم انتقل إلى جنيف حيث أسّس شركته عام 1999. جمعت ساعته الأولى باسمه، «توربيون سوفران»، بين التوربيون وجهاز «ريمونتوار»، وهو جهاز صغير يمدّ الميزان بالطاقة على دفعات ثابتة محسوبة. أما ساعته «كرونومتر آ ريزونانس» عام 2000 فاستخدمت حركتين منفصلتين يؤثّر ميزان كلٍّ منهما في الآخر بالرنين، وهي ظاهرة وصفها صانعو الساعات في القرن الثامن عشر ولم تكد توضع في ساعة يد قط.

تحمل موانئ جورن عبارة «Invenit et Fecit»، أي «اخترع وصنع» باللاتينية، وهو وصف منصف. ويتميّز بين المستقلين بأنه نما إلى شركة كبيرة لها متاجرها الخاصة، مع احتفاظه بأسلوب شخصي واضح: حركات من النحاس في سنواته الأولى ثم من الذهب الوردي، وموانئ غير متمركزة، وأناقة فرنسية خالصة في بيئة سويسرية.

لقد أثبت أن المستقل قادر على أن يصير مؤسسة دون أن يفقد الشخصية التي جعلت عمله مثيرًا للاهتمام أصلًا.

جيل جديد

ظلّ المستقلون طويلًا دائرة صغيرة من رجال كبار في ورش هادئة. تغيّر ذلك. فجيل جديد تدرّب في الدور الكبرى ثم غادرها ليصنع أعماله الخاصة، وتبعه الهواة.

ريكسب ريكسبي هو المثال الأشهر. وُلد في كوسوفو عام 1987، وانتقل إلى جنيف صبيًّا، وتدرّب على طاولات عدد من كبار الصنّاع، ثم أسّس ورشته «أكريفيا» عام 2012. وساعته «كرونومتر كونتمبورين» التي عُرضت أول مرة عام 2018 ساعة تعرض الوقت فقط بمستوى تشطيب استدعى فورًا المقارنة بدوفور، والطلب عليها يفوق بكثير العدد القليل الذي يُصنع كل عام.

وهناك كثيرون غيره: صانع الساعات الفنلندي كاري فوتيلاينن، الذي تشتهر ورشته في قرية موتييه السويسرية بموانئها وتشطيبها؛ وصنّاع في ألمانيا واليابان وهولندا؛ وصانعو ساعات شباب بنوا جمهورًا على الإنترنت قبل أن يصنعوا مئة ساعة. ما يجمعهم هو الاستعداد لقضاء أسابيع في قطعة يصنعها المصنع في دقائق.

أدوات صناعة الساعات وقطعها مرتّبة على طاولة عمل خشبية
طاولة صانع مستقل: أدوات يدوية وعدسات مكبّرة وقطع تنتظر التشطيب.

الشراء من صانع مستقل

يكمن جاذب الساعة المستقلة لدى الهواة جزئيًا في القطعة نفسها وجزئيًا في العلاقة. فالشراء من علامة كبيرة يعني دخول متجر. أما الشراء من مستقل فكثيرًا ما يعني مراسلة الصانع والانتظار، وأحيانًا لقاءه.

قد تمتدّ قوائم الانتظار سنوات، ويختار بعض الصنّاع مشتريهم، مفضّلين من سيرتدي الساعة ويحتفظ بها على من سيعيد بيعها سريعًا. قد يبدو ذلك نخبويًا، وأحيانًا هو كذلك. لكنه يعكس أيضًا واقعًا عمليًا: ورشة تنتج ثلاثين ساعة في العام لا تستطيع تلبية رغبة آلاف المهتمين، والصانع يفضّل أن تذهب ساعاته إلى من يقدّرها.

ولمن لا يستطيع الانتظار أو لا يقدر على أشهر الأسماء، ثمة خبر طيّب. فقد شجّع الاهتمام المتجدّد بالساعات المستقلة كثيرًا من الصنّاع الأصغر، وبعضهم يصنع ساعات مشطّبة بجمال بأسعار أقلّ بكثير من الأسماء الشهيرة. والطريق إليها هو الطريق نفسه دائمًا: تعلّم كيف يبدو التشطيب الجيد، وزُر المعارض، وتحدّث إلى الصنّاع أنفسهم.

الخليج والمستقلّون

صار هواة الاقتناء في الخليج من أهم داعمي صناعة الساعات المستقلة. فالتقليد العريق في المنطقة في طلب أشياء تُصنع يدويًا، من البشوت المفصّلة إلى المجوهرات المصمّمة خصيصًا والعطور الممزوجة لشخص واحد، يتحوّل بطبيعته إلى تقدير للساعات التي يصنعها صانع واحد.

وقد حرص «أسبوع دبي للساعات»، الذي أُقيم أول مرة عام 2015 وتقوده عائلة الصدّيقي، تجّار الساعات المعروفون في دبي، على جلب الصنّاع المستقلين إلى المنطقة للقاء الهواة وجهًا لوجه، إلى جانب الدور الكبرى. وبالنسبة إلى كثير من المستقلين، تهمّ هذه الأحاديث بقدر أي صفقة بيع. فهي تتيح للصنّاع شرح خيارات لا تُرى في صورة، وتتيح للهواة رؤية الأيدي التي تقف خلف العمل.

والنتيجة تبادل هادئ للأفكار. فقد صنع بعض الصنّاع المستقلين ساعات بأرقام عربية، أو بالخط العربي، أو بزخارف من المنطقة، ووجدت بعض أهم القطع المستقلة في السنوات الأخيرة مكانها في مجموعات خليجية. ومع تعمّق ثقافة الساعات في المنطقة، ليس صعبًا أن نتخيّل المستقل العظيم القادم آتيًا من هنا.

لماذا يهمّ ذلك

من السهل أن يُنظر إلى المستقلين كفئة ضيّقة، ترف صغير داخل الترف. لكنهم مهمّون لصناعة الساعات كلها. فكثير من الأفكار الشائعة اليوم في الصناعة جُرّبت أولًا على طاولة عمل واحدة، وكثير ممن يصمّمون الحركات اليوم للدور الكبرى تعلّموا معاييرهم بالنظر إلى أعمال هؤلاء الصنّاع.

وهم يحفظون أيضًا ما لا تستطيعه الآلات: حكم شخص واحد على متى يكتمل الشيء. الساعة المستقلة ليست نادرة لأنها تُسوَّق على أنها نادرة، بل لأن شخصًا واحدًا لا يستطيع أن يصنع منها إلا عددًا محدودًا. وفي عالم يُنتج كل شيء تقريبًا بالجملة، هذا الحدّ هو الترف.