تصفّح دليلًا للساعات الراقية من الستينيات أو الثمانينيات وسترى موانئ بيضاء وفضية وكريمية وسوداء، وأحيانًا زرقاء أو بلون الشمبانيا. أما الأخضر فيكاد يغيب. كان يُعدّ غريبًا أكثر من اللازم، صعب القراءة، وربما غير رسمي بما يكفي لساعة جادة.
واليوم صار الأخضر في كل مكان. فكل دار كبرى تقريبًا تقدّم نسخًا بميناء أخضر من أشهر طرزها، ويتحدّث الهواة عن الزيتوني والغابي والنعناعي والزمردي بجدّية كانت حكرًا على الحركات، وكثيرًا ما تنفد الموانئ الخضراء أسرع من أي لون آخر. كيف حدث ذلك؟
ذكرى أطلقت موضة
تُعاد نقطة التحوّل عادة إلى عام 2003، حين احتفت رولكس بمرور خمسين عامًا على صبمارينر بنسخة صبمارينر ديت بإطار أخضر وميناء أسود. وكان الأخضر لون رولكس المؤسسي منذ زمن، على علبها ولافتاتها وبطاقاتها، فكأن الشركة وضعت لونها الخاص على أشهر ساعاتها.
سرعان ما صار الطراز الاحتفالي مطلوبًا، وفي عام 2010 مضت رولكس أبعد بنسخة بميناء أخضر وإطار أخضر معًا. وبحلول ذلك الوقت كانت الفكرة قد ترسّخت. فالأخضر، كما اتّضح، ليس غريبًا أكثر من اللازم على ساعة جادة. إنه غريب بالقدر المطلوب تمامًا.

لماذا ينجح الأخضر
جزء من الجاذبية هو الجدّة. فبعد عقود من الأسود والأبيض والأزرق، بدا الأخضر منعشًا. لكن الجدّة تبهت، والأخضر بقي، وهذا يوحي بشيء أعمق.
يحتلّ الأخضر مكانًا مثيرًا على الميناء. إنه لون له عمق: ففي التشطيب الشمسي، حيث تشعّ خطوط دقيقة من المركز، قد يبدو الميناء الأخضر شبه أسود في الظل وزمرديًا ساطعًا في الشمس. ويتناغم مع الفولاذ والذهب معًا، باردًا مع الأول ودافئًا مع الثاني. ويحمل إيحاءات يجدها معظم الناس مريحة: الطبيعة والنموّ والسكينة.
الأخضر لون شيء ينمو. وعلى الميناء يجعل الساعة تبدو حيّة.
لحظة الزيتون
في عام 2021 أعلنت باتيك فيليب وقف إنتاج أشهر نسخة فولاذية من نوتيلوس، وأصدرت نسخة أخيرة بميناء أخضر زيتوني. صارت من أكثر ساعات العام إثارة للحديث، وأكّدت أن الأخضر لم يعد موضة عابرة بل جزءًا دائمًا من لغة الساعات الفاخرة.
ومنذ ذلك الحين ظهر الأخضر في كل مكان: على الساعات الرسمية وساعات الغوص، وعلى الكرونوغراف والتقويمات الدائمة، في الفولاذ والذهب والتيتانيوم. يستخدم بعض الصنّاع درجات خضراء داكنة تكاد تكون سوداء؛ ويفضّل آخرون درجات نعناعية فاتحة، أو طلاءً زمرديًا غنيًا. ولكلٍّ منها ما يقوله، وجزء من المتعة أن تجد الأخضر الذي يناسبك.
كيف يُصنع الميناء الأخضر
ضبط اللون على الميناء أصعب مما يبدو. تبدأ معظم الموانئ الحديثة أقراصًا رقيقة من النحاس الأصفر. ثم يُضاف اللون بإحدى طرق عدة: بالمعالجة الكهربائية، إذ يُطلى الميناء في حوض كيميائي؛ أو بطبقات من الورنيش الشفاف تُرشّ وتُصقل يدويًا؛ أو، على نحو أقلّ، بالمينا المحروقة في الفرن.
والتشطيب تحت اللون يهمّ بقدر اللون نفسه. فالتشطيب الشمسي، المصقول بخطوط دقيقة من المركز إلى الخارج، يلتقط الضوء ويجعل الأخضر يتبدّل مع حركة المعصم. أما التشطيب المحبّب أو غير اللامع فيمنح لونًا أنعم وأكثر اتّساقًا. والأخضر معروف بصعوبة إعادة إنتاجه بثبات من دفعة إلى أخرى، وكثيرًا ما يرفض الصنّاع موانئ كثيرة قبل أن يجدوا الدرجة التي ترضيهم. وحين ترى ميناءين أخضرين من الطراز نفسه جنبًا إلى جنب، فالتفاوتات الصغيرة ليست غريبة، ويبحث بعض الهواة عن درجة بعينها.
الأخضر في الخليج
للأخضر صدى خاص في العالم العربي. ففي مشهد من الرمل والحجر، كان الأخضر دائمًا يعني الماء والحياة: النخلة والواحة والبستان المروي. إنه لون الترحاب والوفرة، ويظهر في الثقافة البصرية للمنطقة كلها، من البلاط والمنسوجات إلى أبواب البيوت القديمة المطلية.
ربما لهذا وجدت الموانئ الخضراء مشترين متحمّسين هنا. فساعة خضراء في عصر مشمس، تلتقط الضوء على كمّ كندورة بيضاء، تبدو في بيتها تمامًا.

كيف تختار ساعة خضراء
إن أغراك الأمر، فابدأ بالنظر إلى الميناء في أضواء مختلفة. فالأخضر الشمسي الذي يبدو داكنًا جادًّا في الداخل قد يصير مشرقًا حيويًا تحت الشمس، وهذا رائع إن أحببت التبدّل وأقلّ روعة إن أردت الثبات. أما الموانئ الخضراء غير اللامعة والمحبّبة فأكثر اتّساقًا.
فكّر في معدن العلبة. الأخضر مع الفولاذ يبدو حادًّا رياضيًا؛ ومع الذهب الأصفر أو الوردي يصير أغنى وأكثر رسمية. وفكّر في الأساور أيضًا: ميناء أخضر على سوار جلدي بني من أكثر التركيبات أناقة في عالم الساعات.
ولا تقلق من أن يكون الأخضر موضة ستزول. فلون أمضى عشرين عامًا ينمو في شعبيته، ويرتكز على إيحاءات قديمة كهذه، لن يذهب إلى أي مكان. والساعة الخضراء المختارة جيدًا ستبدو بعد عشرين عامًا جميلة كما تبدو اليوم.
