انتقل إلى المحتوى

ساعات

صبمارينر: سبعة عقود تحت الماء

كيف تحوّلت أداة صُنعت للغوّاصين إلى أشهر ساعة فاخرة في العالم، ولماذا لم تتغيّر إلا قليلًا.

ساعة رولكس صبمارينر ديت بميناء أسود وإطار أسود على سطح أبيض
صبمارينر ديت بقياسها الحالي البالغ 41 ملم.Patrick Langwallner / Unsplash

هناك ساعات يعرفها الناس من طرف الغرفة الآخر، ثم هناك صبمارينر. ميناء أسود، ومؤشرات مضيئة عريضة، وإطار دوّار بمثلث صغير عند الثانية عشرة: شكلٌ مألوف إلى حدّ أنه صار اختصارًا لفكرة الساعة الفاخرة نفسها. لا تصميم في هذه الصناعة نُسخ واستُعير وقُلّد أكثر منه.

ومع ذلك لم تُصمَّم صبمارينر لتكون جميلة. صُمّمت لتُقرأ تحت الماء، على يد شخص تتوقّف حياته على معرفة المدة التي قضاها في الأعماق. وكونها خرجت جميلة أيضًا هو الدرس الهادئ الذي تقدّمه سنواتها السبعون.

سؤال عملي

في مطلع الخمسينيات كان الغوص بأجهزة التنفّس أمرًا جديدًا. لم يمضِ على استخدام جهاز التنفّس تحت الماء سوى عقد واحد، وكان مستخدموه بحاجة إلى ساعة تحتمل الضغط وتمنع تسرّب الماء وتخبرهم بنظرة واحدة كم من الوقت مضى منذ نزولهم.

كانت رولكس متقدّمة بخطوة. فعلبة «أويستر» التي سُجّلت براءتها عام 1926 كانت من أوائل علب الساعات المقاومة للماء فعلًا، تُغلق بغطاء خلفي وتاج يُثبّتان بالتدوير. وما صنعته الشركة عام 1953 كان «أويستر» معدّة للأعماق: علبة أمتن، وتاج يُشدّ بإحكام على حلقات العزل، وإطار دوّار مدرّج بالدقائق. قبل الغوص يدير الغوّاص الإطار حتى تحاذي علامة الصفر عقرب الدقائق، فيقرأ بعدها الزمن المنقضي مباشرة من الإطار، دون أي حساب.

صُنِّف الإصداران الأولان، 6204 و6205، لعمق 100 متر. وعُرضت الساعة على الجمهور في معرض بازل عام 1954، ولم يمضِ عام حتى تبعتها نسخة لعمق 200 متر. كانت الفكرة بسيطة يمكن شرحها في جملة واحدة، وهذا قبل أي إنجاز تقني هو سبب بقائها.

لقطة قريبة لميناء ساعة صبمارينر وعقاربها وإطارها المدرّج
الإطار المدرّج: أدِره إلى عقرب الدقائق، فيُحسب زمن الغوص.

سنوات الأداة

طوال عقدين كانت صبمارينر ما تدّعيه تمامًا: معدّات. وُزّعت على غوّاصين عسكريين في عدة بلدان، وارتداها الغوّاصون المحترفون، واشتراها من يحتاجون إليها فعلًا. كان ميناؤها غير لامع، وعقاربها كبيرة، ومؤشراتها مطلية بمادة مضيئة لتُقرأ في العتمة تحت عمق عشرين مترًا.

الإصدار الذي يتخيّله معظم الناس حين يفكّرون في صبمارينر قديمة هو 5513. صُنع منذ عام 1962 حتى نحو عام 1990، دون تغيير يُذكر طوال قرابة ثلاثين عامًا. أضاف كتفين يحميان التاج، فلا تقتلعه صدمة بصخرة أو بقارب، ولم يحمل نافذة للتاريخ، فبقي الميناء صافيًا والعلبة بسيطة.

وعرفت صبمارينر طريقها إلى السينما مبكرًا. ففي عام 1962 ارتدى شون كونري الإصدار 6538 في دور جيمس بوند في فيلم «دكتور نو»، وما فعلته ساعة على معصم أشهر جاسوس في تاريخ السينما لسمعتها فاق أي إعلان. أوحت بأنها ساعة لمن يفعلون الأشياء، لا لمن يملكونها فحسب.

لم تُصمَّم صبمارينر لتكون جميلة، بل لتُقرأ بسهولة، واتّضح أن الأمرين شيء واحد.

غوّاصان يسبحان في مياه زرقاء صافية
في عقودها الأولى كانت صبمارينر معدّات فحسب، يرتديها من يكسبون رزقهم من الغوص.

التاريخ والسيراميك والتطوّر المتأنّي

أكثر ما يلفت في تاريخ صبمارينر قلّة ما يحدث فيه. فبينما أُعيد تصميم ساعات أخرى مع كل عقد جديد، تغيّرت صبمارينر بالمليمترات.

جاءت الإضافة الكبرى الأولى في أواخر الستينيات، حين صار الإصدار 1680 أول صبمارينر بنافذة للتاريخ. ووُضعت فوق النافذة عدسة مكبّرة تسمّيها رولكس «سايكلوبس» ليُقرأ الرقم بسهولة. تذمّر المتشدّدون من أنها أفسدت تناظر الميناء، وخالفهم المشترون، فظلّت صبمارينر ديت تُصنع منذ ذلك الحين إلى جانب النسخة الخالية من التاريخ.

وفي الثمانينيات بدأت رولكس تستخدم فولاذ 904L، وهو سبيكة شديدة المقاومة للتآكل تُستخدم في المصانع الكيميائية أكثر مما تُستخدم في المجوهرات. تشكيله أصعب من فولاذ الساعات المعتاد، لكنه يُصقل إلى لمعان خاص ويقاوم ماء البحر جيدًا، وهذا يناسب ساعة تقضي وقتًا في البحر.

ثم جاءت الألفية الجديدة باللون والسيراميك. ففي عام 2003، احتفاءً بمرور خمسين عامًا، أصدرت رولكس صبمارينر ديت بإطار أخضر. أُريد بها احتفال، فصارت من أكثر الطرز الحديثة طلبًا. ومنذ عام 2008 حلّ «سيراكروم»، سيراميك رولكس، محلّ حشوات الإطار الألمنيومية التي كانت تبهت مع العقود؛ وهو يكاد لا يُخدش ويحتفظ بلونه بلا نهاية.

وجاء آخر تغيير عام 2020. كبرت العلبة من 40 إلى 41 ملم، ونُحّفت العُرى كي لا تبدو الساعة أكبر على المعصم، وزُوّدت بحركتين جديدتين، العيارين 3230 و3235، باحتياطي طاقة يقارب سبعين ساعة. ضعها بجانب طراز من الستينيات، وسترى بوضوح أنها الساعة نفسها. وهذا هو المقصود.

ساعة صبمارينر بلونين وميناء وإطار أزرقين مستندة إلى كتاب مفتوح
جاء اللون متأخرًا: موانئ وإطارات زرقاء، وخضراء، وفولاذ مع ذهب.

الأقارب الغوّاصون

تقف صبمارينر في قلب عائلة صغيرة من ساعات الأدوات، وقد نزل أقاربها إلى أعماق أبعد بكثير مما احتاجت إليه هي يومًا.

في 23 يناير 1960 هبطت الغوّاصة الاستكشافية «تريستي» إلى قاع «تشالنجر ديب» في خندق ماريانا، على عمق يقارب أحد عشر كيلومترًا تحت السطح. وكانت مثبّتة على هيكلها ساعة رولكس تجريبية تُدعى «ديب سي سبيشل». صعدت وهي تعمل. لم يسجّل الرقم إنسان يرتدي ساعة، بل آلة تحملها، وأثبت ذلك أن علبة ميكانيكية متقنة الصنع قادرة على تحمّل ضغط يفوق ما يحتمله أي جسد بشري.

ثم جاء وريث عملي للغوّاصين المحترفين. فغوّاصو التشبّع، الذين يعيشون أيامًا في غرف مضغوطة ويتنفّسون خليطًا يحتوي الهيليوم، واجهوا مشكلة مع الساعات العادية: كانت ذرّات الهيليوم تتسلّل إلى داخلها، وخلال تخفيف الضغط لا يخرج الغاز بالسرعة الكافية، فيدفع الزجاج أحيانًا عن العلبة. كان ردّ رولكس ساعة «سي دويلر» التي ظهرت مطلع السبعينيات بصمام صغير لتصريف الهيليوم في جانب العلبة. أما «ديب سي» الحديثة التي أُطلقت عام 2008 فمصنّفة لعمق 3,900 متر.

لا يعني أيٌّ من هذه الأرقام شيئًا لمن يرتدي صبمارينر على قارب في البحر الأحمر. لكنها تفسّر الثقة بها: إنها العضو اليومي في عائلة صُنعت للظروف القصوى.

ساعة رولكس سي دويلر ديب سي بميناء أسود وسوار فولاذي
ديب سي: القريبة الأكبر لصبمارينر، صُنعت لأعماق لن يبلغها غوّاص.

لماذا بقيت

من السهل القول إن صبمارينر بقيت بفضل التسويق، والتسويق ساعد بلا شك. لكن ساعات كثيرة حظيت بإعلانات سخية ثم اختفت. السبب الأعمق أن تصميمها استقرّ مبكرًا وعلى نحو صحيح.

كل عنصر فيها يجيب عن سؤال. الإطار يحسب زمن الغوص. والمؤشرات مختلفة الأشكال، دوائر وعصيّ ومثلث، كي تُقرأ الساعة حتى لو كانت مقلوبة أو كان الضوء خافتًا. والعلبة بحجم يجعلها تستقرّ على المعصم وتتّسع لها الأكمام. لا شيء على الميناء للزينة؛ حتى الألوان موجودة من أجل التباين. وحين يتبع شكلُ الشيء استخدامَه بهذا القرب، لا يبقى سبب كبير لتغييره، ويصير كل تعديل صقلًا لا إعادة اختراع.

ثم هناك مسألة الثقة. فساعة صبمارينر اشتُريت عام 1975 يمكن صيانتها اليوم. القطع متوفّرة، وحركتها مفهومة لدى صانعي الساعات في كل مكان، وستواصل العمل خمسين عامًا أخرى إن اعتُني بها. وفي زمن الأشياء التي تُرمى بعد استعمالها، صارت هذه المتانة ترفًا بحد ذاتها.

يعرف هواة الاقتناء في الخليج ذلك جيدًا. كثيرًا ما تكون صبمارينر الفولاذية أول ساعة جادّة، تُشترى عند التخرّج أو مع أول راتب، وتُلبس يوميًا ثم تُورّث. نادرًا ما تكون أغلى ساعة في المجموعة، لكنها كثيرًا ما تكون الأكثر ارتداءً.

كيف تختارها اليوم

لمن يفكّر في شراء صبمارينر، القرار الأول هو الأبسط: بتاريخ أم بلا تاريخ. النسخة الخالية من التاريخ ميناؤها أصفى وصلتها بالأصل أوثق. أما صبمارينر ديت فهي الساعة اليومية الأكثر عملية، وقد صارت عدسة «سايكلوبس» جزءًا من مظهر رولكس إلى حدّ أن كثيرين سيفتقدونها.

القرار الثاني هو المعدن. الفولاذ هو الخيار الكلاسيكي والأكثر ارتباطًا بتاريخ الساعة. أما الفولاذ مع الذهب الأصفر، الذي تسمّيه رولكس «رولسور»، فقد ظهر في الثمانينيات وله محبّوه، خاصة في الأجواء الدافئة حيث يبدو الذهب جميلًا على البشرة السمراء. وهناك أيضًا نسخ من الذهب الخالص والذهب الأبيض، أثقل وأكثر رسمية، بموانئ زرقاء أو سوداء.

ثم يأتي سؤال الجديد أو القديم. صبمارينر الحديثة أمتن وأدقّ وأسهل صيانة، وإطارها السيراميكي سيبدو كما هو بعد عشرين عامًا. أما الإصدار القديم، 5513 أو 1680 مبكّر، فله سحر أنعم: إطارات باهتة، وطلاء مضيء عتّقه الزمن، وعيوب صغيرة تخصّ ساعة صُنعت بأدوات أقدم. ويتطلّب شراء القديم معرفة وتاجرًا موثوقًا، لأن أصالة القطع تؤثّر في القيمة تأثيرًا هائلًا، واستبدال القطع شائع.

وأيًّا كان الخيار، فإن صبمارينر تكافئ من يرتديها. ليست ساعة تُحفظ في خزنة. فولاذها يُخدش، وسوارها يرتخي قليلًا مع السنين، وتصير كل علامة جزءًا من سجلّها. وهذا، أكثر من أي شهادة، ما يجعلها لك حقًّا.

بعد سبعة عقود

باتت صبمارينر تُلبس اليوم في المكاتب والمطاعم أكثر بكثير مما تُلبس تحت الماء. ولا بأس في ذلك. فالصفات التي جعلت منها أداة جيدة، الوضوح والمتانة والتحفّظ، هي بالضبط ما يبحث عنه الناس في أي شيء ينوون الاحتفاظ به.

وقد تجاوزت السبعين، ما زالت ساعة يمكنك أن تشرحها لطفل: أدِر الحلقة، فتخبرك كم مضى من الوقت. قليلة هي الأشياء الفاخرة التي تستطيع قول ذلك، وأقلّ منها ما قالته بهذا الثبات طوال هذه المدة.