انتقل إلى المحتوى

شخصيات

سليمة ناجي، المعمارية التي تبني المستقبل من الطين

منح معهد العالم العربي جائزته الكبرى للتصميم لعام 2026 للمعمارية والأنثروبولوجية المغربية، التي تجيب عن البناء الحديث بالطين الخام والحجر وأيدي الحرفيين.

أعلن معهد العالم العربي في باريس فوز المعمارية المغربية سليمة ناجي بالجائزة الكبرى في الدورة الرابعة من «جائزة التصميم». وجاء الإعلان مساء الأربعاء 9 سبتمبر 2026. وكُرّمت المعمارية والأنثروبولوجية المغربية عن مركز تأويل التراث في تزنيت، وهو مبنى من الطين الخام يقوم عند أسفل أسوار المدينة التاريخية في جنوب المغرب.

ترأست لجنة التحكيم المعمارية المصرية شاهيرة فهمي. وبلغ النهائيات 26 مشروعًا، خمسة منها مغربية، وحضرت الحفل رئيسة المعهد آن كلير لوجندر. وتُعرض أعمال المتأهلين في المعهد بباريس حتى 20 سبتمبر. وكان المعهد قد أطلق الجائزة عام 2023.

وقالت ناجي لوكالة المغرب العربي للأنباء إنها تأثرت كثيرًا، وإن الجائزة تكافئ 20 عامًا من الجهد. وأضافت أن عملها يدور حول سؤال التراث المتجه نحو المستقبل. وهو وصف موجز لمسيرة أمضتها في الترميم والبناء بمواد الأرض نفسها.

المبنى في تزنيت

يجمع المركز بين الخشب والحجر والطين و«التاطاوي» (tataoui)، وهي تقنية بناء تقليدية. وقالت ناجي إن المبنى تحية للحرفيين. وذكرت لجنة التحكيم أن المشروع يعيد تنشيط المواد المحلية والتقنيات الموروثة من الأجداد عبر عمارة معاصرة.

ويشير هذا الحكم إلى ما يميّزها. فالطين الخام من أقدم مواد البناء في جنوب المغرب، وقد بُنيت منه القرى المحصّنة المعروفة بالقصور، وقصبات الأطلس والوديان شبه الصحراوية. أما الخرسانة فقد صارت شائعة في معظم أنحاء المنطقة. ومبنى عام من الطين إلى جانب أسوار المدينة التاريخية يدافع عن طريق مختلف: أن الأساليب القديمة ما زالت قادرة على خدمة مؤسسة حديثة، وأن من يتقنونها يستحقون التقدير.

من الرباط إلى الأطلس

وُلدت ناجي في الرباط عام 1971 لأب مغربي وأم فرنسية. درست العمارة في المدرسة الوطنية العليا للعمارة في باريس لافيليت، والأنثروبولوجيا في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS)، وحصلت على الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية.

وتناولت أطروحتها للدكتوراه، المسجّلة في السجل الفرنسي للأطروحات بتاريخ 2007، المخازن الجماعية والزوايا في الأطلس والمغرب شبه الصحراوي، وعنوانها «مخازن البركة» (Les entrepôts de la baraka). كانت المخازن أماكن جماعية لحفظ المحاصيل، والزوايا مقامات دينية، فكان الموضوع في نقطة يلتقي فيها البناء بالعقيدة والجماعة. ثم أضافت تدريبًا عاليًا في الجماليات والفنون وتقنيات الصورة، ثم في فلسفة الفن.

ويفسّر هذا التكوين المزدوج منهجها. فهي تقترب من مخزن جماعي متهدّم بعين المعمارية وعين الأنثروبولوجية، فتسأل كيف بُني، ومن بناه، ومن استخدمه، ولماذا كان مهمًا لهم.

عشرون عامًا في الجنوب

تقيم ناجي في تزنيت منذ عام 2008، وعملت نحو 20 عامًا بالحجر والطين والتاطاوي. وتشمل مشاريعها ترميم قصور ومساجد ومخازن جماعية وكنس يهودية. وصمّمت المركز الثقافي في آيت أوبلي بإقليم طاطا ومركزًا للأرشيف من الطوب اللبن في تزنيت. كما رمّمت قصبة أكادير أوفلا في أكادير، وانتهى المشروع عام 2023.

وهي كاتبة كما هي بانية. فمن كتبها «أبواب الجنوب المغربي» (2003)، و«المخازن الجماعية في الأطلس» (2006)، و«الفن والعمارة الأمازيغية في المغرب» (الطبعة الثانية 2009)، و«عمارات الخير المشترك: من أجل أخلاقيات للحفاظ» الصادر عن دار ميتيس برس في جنيف عام 2019. ويعلن العنوان الأخير موقفها بوضوح: الحفاظ على التراث، في رأيها، مسألة أخلاق قبل أن يكون مسألة تقنية.

وتصف منهجها بمصطلح نحتتها paléo-innovation، أي «الابتكار القديم». تجمع الكلمة بين الأقدم والأحدث، وهي تناسب عملًا يعامل المعرفة الموروثة مصدرًا حيًا للأفكار، لا موضوعًا للمتاحف.

تكريمات سبقت باريس

وتأتي جائزة باريس بعد سلسلة تكريمات سابقة. فقد نالت ناجي جائزة مؤسسة «إي دي إف» للمعماريين الشباب في يونيو 2004، ومنحتها فرنسا عام 2018 وسام فارس الفنون والآداب. وفي سبتمبر 2024 قلّدتها أكاديمية العمارة في باريس ميداليتها الذهبية الكبرى، وهي أعلى تكريم تمنحه الأكاديمية. وقالت لصحيفة «لوماتان» حينها إنه تتويج لها بوصفها معمارية مغربية وأفريقية.

لماذا يهم ذلك في الخليج

يمنح الفائزون هذا العام الجائزة طابعًا إقليميًا. فإلى جانب ناجي تضم القائمة المصممة السعودية أسيل العمودي ومشروعين صُنعا في العُلا، وقد نقلت وكالة الأنباء القطرية إعلان المعهد في 11 سبتمبر، وذكرت «استوديو سليمة ناجي» فائزًا بالجائزة الرئيسية.

وبالنسبة إلى قرّاء الخليج، لممارستها صدى واضحًا. فالطين والحجر عنصران مركزيان في طريقة عرض العُلا والدرعية والبلدات الطينية في سلطنة عُمان لتراثها، وكلٌّ منها يواجه السؤال نفسه الذي تتبعته ناجي في تزنيت: كيف نرمّم ونبني بما يحترم المواد المحلية والمناخ المحلي والحرفة المحلية. وجوابها، الذي اختبرته على مدى عقدين، أن نبدأ بمن يعرفون المادة ونترك لهم القيادة.

وما تكرّمه الجائزة الكبرى إذن هو منهج أكثر منه مبنى واحدًا. فمركز تزنيت أبرز نتائجه، لكن العمل الذي أفضى إليه أُنجز في المخازن والقصبات ومساجد القرى، على يد معمارية اختارت أن تستقر في الجنوب وتبقى فيه.

المصادر: Le Matin، TelQuel، Time Out Paris، Qatar News Agency، Le Matin (Académie d’architecture)