فاز دانيال ليبسكيند بجائزة «بريميوم إمبريالي» لعام 2026 في فئة العمارة، وهي من أرفع الجوائز الدولية في الفنون. وأُعلنت أسماء الفائزين في دورتها السابعة والثلاثين يوم الثلاثاء 8 سبتمبر، في وقت واحد في باريس وروما وبرلين ونيويورك ولندن وطوكيو. ويُسمّى ليبسكيند، الذي يقود «استوديو ليبسكيند» ومقرّه نيويورك، إلى جانب الفنانة جيني هولزر، والنحّات آندي غولدزورثي، وقائد الأوركسترا هربرت بلومستيت، والممثلة كيت بلانشيت.
ويحصل كل فائز على مكافأة قدرها 15 مليون ين، يقدّرها موقع «ديزين» بنحو 70,000 جنيه إسترليني، إلى جانب رسالة تكريم. ومن المقرّر أن تُسلَّم الميداليات في 28 أكتوبر في قاعة «ميجي كينينكان» في طوكيو، حيث يُنتظر أن يقدّمها الأمير هيتاتشي إلى الفائزين.
وقد أسّست جمعية الفنون اليابانية هذه الجائزة، التي كثيرًا ما توصف بأنها «نوبل الفنون»، عام 1988، وهي تُمنح كل عام في خمسة مجالات: الرسم، والنحت، والعمارة، والموسيقى، والمسرح أو السينما. وإلى جانب الفائزين الخمسة، تذهب منحة الفنانين الشباب لهذا العام، وقيمتها 5 ملايين ين، إلى «لا سورس غاروست» (La Source Garouste) في فرنسا.
معماري الذاكرة
ليبسكيند أمريكي من أصل بولندي، وُلد في مدينة لودز البولندية عام 1946. وفي حيثيات الجائزة، تصفه جمعية الفنون اليابانية بأنه «يُحتفى به لقدرته على استحضار الذاكرة الثقافية». وتلخّص هذه العبارة النهج الذي سار عليه طوال مسيرته: مبانٍ مصمّمة لتحمل معنى، من خلال شكلها وضوئها والمسار الذي يسلكه الزائر في داخلها.
وأعماله سهلة التمييز. فالزوايا الحادة، والجدران المائلة، والكتل المتشظّية، وشقوق الضوء الضيقة تتكرّر مرة بعد مرة، في المتاحف والمساكن والمسارح ومراكز التسوّق. وقليلة هي مبانيه التي تجلس بهدوء في شارعها. فهي مصمّمة لتُحَسّ بقدر ما تُرى، ولتجعل الزائر واعيًا بالفضاء الذي يتحرّك فيه.
وفي تورونتو، يخرج مبناه «كريستال مايكل لي تشين» لمتحف أونتاريو الملكي، الذي اكتمل عام 2007، من قلب مبنى تاريخي في عنقود من الكتل الحادة الشبيهة بالبلّورات. ويذكر تقرير «ديزين» عن الجائزة مباني أخرى: مركز «ماغيز» في مستشفى رويال فري في لندن، وهو جزء من شبكة مراكز تدعم المصابين بالسرطان، ومبنى «أتريوم آت سمنر» في بروكلين بنيويورك، إلى جانب متحفين في برلين ودريسدن.

خمسة فائزين وخمسة مجالات
يغطّي الفائزون الآخرون طيفًا واسعًا من الفنون. فجيني هولزر، المكرّمة عن فئة الرسم، فنانة أمريكية تُعرف قبل كل شيء بنصوصها: عبارات قصيرة لاذعة تُعرض على لوحات إلكترونية مضيئة، وتُنقش على مقاعد حجرية، وتُسقط ضوئيًا على واجهات المباني.
أمّا آندي غولدزورثي، الفائز في فئة النحت، ففنان بريطاني يعمل بالطبيعة نفسها. فأعماله مصنوعة من الحجارة والأوراق والأغصان والجليد والتراب، وكثير منها يُترك ليتبدّل مع الطقس أو ليتلاشى، فيما يوثّقها هو بصوره الفوتوغرافية.
وهربرت بلومستيت، المكرّم في فئة الموسيقى، قائد أوركسترا سويدي قادته مسيرته الطويلة إلى منصّات كثير من كبريات الأوركسترات في العالم. أمّا كيت بلانشيت، الفائزة في فئة المسرح والسينما، فممثلة أسترالية فازت بجائزتَي أوسكار، وعملت كثيرًا على خشبة المسرح أيضًا، ومن ذلك توليها منصب المديرة الفنية المشاركة لشركة مسرح سيدني.
ونقل موقع «ديزين» عن اللورد باتن أوف بارنز، المستشار الدولي لجائزة «بريميوم إمبريالي»، قوله إن الفائزين «يتشاركون شغفًا هائلًا بحرفة كلٍّ منهم». وهو وصف منصف لمجموعة تمتدّ من النص والضوء إلى الحجر والأوراق، ومن قاعة الحفلات الموسيقية إلى شاشة السينما.
خيط خليجي في الجائزة
بالنسبة إلى قرّاء المنطقة، يحمل سجلّ الفائزين بجائزة العمارة اسمًا مألوفًا. فقد نالت زها حديد، المعمارية العراقية البريطانية المولودة في بغداد، جائزة «بريميوم إمبريالي» للعمارة عام 2009. ومن مبانيها في الخليج جسر الشيخ زايد في أبوظبي، ومركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية في الرياض.
ويتشارك حديد وليبسكيند نقطة انطلاق واحدة أيضًا. فكلاهما كان بين المعماريين السبعة الذين عُرضت أعمالهم عام 1988 في معرض «العمارة التفكيكية» في متحف الفن الحديث بنيويورك، وهو معرض قدّم أشكالهم الحادة القلقة إلى جمهور واسع. وبعد نحو أربعة عقود، كرّمت الجائزة نفسها الاثنين معًا.

ويذكر «ديزين» كذلك فائزين سابقين بجائزة العمارة، منهم البرتغالي إدواردو سوتو دي مورا، والياباني شيغيرو بان، ودييبيدو فرانسيس كيري من بوركينا فاسو. ولكلٍّ منهم فكرة مميّزة عن البناء، من حجر سوتو دي مورا وخرسانته الهادئين، إلى أنابيب الورق عند بان، والطين والظل عند كيري. أمّا مكانة ليبسكيند بينهم فتقوم على فكرة مختلفة: أن المبنى قادر على أن يروي قصة.
ما الذي يأتي بعد ذلك
للعمارة جوائز دولية كبرى عدة، لكن «بريميوم إمبريالي» تتميّز بأنها تضع المعماريين في صحبة الرسّامين والنحّاتين والموسيقيين والممثلين. وهذا العام، يقف ليبسكيند على المنصة نفسها مع قائد أوركسترا سويدي ونجمة سينما أسترالية، في تذكير بأن الجائزة تعدّ البناء فنًا من الفنون.
ومن المنتظر أن يحضر الفائزون إلى طوكيو في 28 أكتوبر، حين يُنتظر أن يقدّم الأمير هيتاتشي الميداليات في قاعة «ميجي كينينكان». وبالنسبة إلى ليبسكيند، تكرّم الجائزة مسيرة قامت على قناعة واحدة: أن العمارة قادرة على حمل الذاكرة كما تحمل الفضاء.
المصادر: Praemium Imperiale، Dezeen
