انتقل إلى المحتوى

سيارات

الرمل والفولاذ: كيف غيّر الدفع الرباعي الجزيرة العربية

في عمر جيل واحد تحوّلت رحلة عبور الصحراء من أسابيع على ظهور الإبل إلى عصرية بالسيارة. حكاية الآلات التي جعلت ذلك ممكنًا، والثقافة التي صنعتها.

سيارة دفع رباعي تصعد كثيبًا رمليًا في الصحراء
Pexels

قف على كثيب عند حافة الربع الخالي في عصرية شتوية، وستشعر بسهولة باتّساعه. يمتدّ الربع الخالي على نحو 650 ألف كيلومتر مربع عبر السعودية وعُمان والإمارات واليمن، وهو أكبر امتداد متصل من الرمال على الأرض. وطوال معظم تاريخ البشر كان عبوره ملحمة تحمّل تُقاس بالأسابيع، ولم يكن يعبره بأمان إلا من يعرف آباره وأحواله.

ثم، في عمر جيل واحد، صار أمرًا يمكن إنجازه في يوم. والآلة التي صنعت الفارق كانت سيارة الدفع الرباعي، ولم يغيّر وصولها طريقة سفر الناس فحسب، بل طريقة تفكيرهم في الصحراء نفسها.

قبل المحرّك

حتى منتصف القرن العشرين كانت الصحراء للإبل. تنتقل العائلات البدوية مع قطعانها بين المراعي الموسمية والآبار، وتحمل القوافل البضائع على دروب استُخدمت قرونًا. وكانت المعرفة اللازمة للبقاء هائلة: مواقع الماء، وقراءة الأثر والريح، والموسم المناسب لكل رحلة.

عبر المستكشف البريطاني ويلفريد ثيسيجر الربع الخالي مرتين بين عامي 1946 و1948، مسافرًا مع رفاق من البدو على الإبل. وما زال كتابه «رمال العرب» الذي نُشر عام 1959 من أعظم ما كُتب عن الصحراء. وهو أيضًا، كما كان يعرف حينها، رثاء. فحين صدر، كان العالم الذي وصفه قد بدأ يتغيّر.

كثبان رملية حمراء شاهقة في الربع الخالي عند الغروب
الربع الخالي، أكبر صحراء رملية متصلة على الأرض.

الآلات الأولى

جاء التغيير مع النفط. فمنذ الثلاثينيات احتاجت فرق التنقيب إلى عبور أراضٍ لم تعبرها مركبة من قبل، وكانت الآلات الأولى شاحنات وسيارات عسكرية معدّلة، كثيرًا ما تتعثّر في الرمل الناعم.

في عام 1948 عرضت شركة روفر البريطانية في معرض أمستردام للسيارات مركبة بسيطة متينة: لاند روفر. بهيكل من الألمنيوم فوق شاسيه فولاذي، ودفع رباعي وقاعدة عجلات قصيرة، صُمّمت للمزارعين لكنها أثبتت جدارتها في كل بيئة قاسية واجهتها. وفي الخمسينيات والستينيات صارت سيارات لاند روفر مشهدًا مألوفًا في أنحاء الخليج، تحمل فرق المسح والمسؤولين والمؤن، وتعلّم جيلًا كاملًا أن الصحراء يمكن قيادتها.

كانت مركبات خشنة غير مريحة. ترتفع حرارتها، وتغوص في الرمل، وتحتاج إلى إصلاح دائم. لكنها كانت تبلغ أماكن لم تبلغها عجلات من قبل.

سيارة لاند روفر كلاسيكية متوقّفة على طريق ترابي
لاند روفر المبكرة: هيكل من الألمنيوم وشاسيه فولاذي وأربع عجلات دافعة.

وصول اليابانيين

أما المركبات التي صاغت علاقة المنطقة بالصحراء فجاءت من اليابان. فقد صنعت تويوتا أول مركبة دفع رباعي لها، BJ، عام 1951، وسمّتها لاند كروزر عام 1954. وظهرت نيسان باترول في العام نفسه الذي ظهرت فيه BJ. وصُمّمت كلتاهما مركبات عمل متينة، وطُوّرتا باستمرار لأسواق التصدير حيث تفوق الموثوقية كل اعتبار.

اكتسبت لاند كروزر من الفئة 40، التي صُنعت منذ عام 1960 حتى منتصف الثمانينيات، سمعة في أنحاء الشرق الأوسط بأنها تكاد لا تنكسر. وأضافت الأجيال اللاحقة الراحة دون أن تفقد الصلابة. وسلكت باترول طريقًا مشابهًا، وعلى مرّ العقود صار التنافس بينهما ما يشبه مؤسسة إقليمية، يُتجادل فيه في المجالس ومواقف السيارات بالحماسة التي يخصّ بها آخرون كرة القدم.

لم تقدّم هذه المركبات القدرة فحسب، بل الاعتمادية. ففي مكان قد يكون فيه العطل بعيدًا عن الطريق خطرًا، كانت المركبة التي تعمل في كل مرة ويمكن إصلاحها بأدوات بسيطة تساوي أكثر من أي قدر من الترف.

ثقافة الرمل

مع نمو المدن وامتداد الطرق، وجدت سيارة الدفع الرباعي دورًا جديدًا. لم تعد مركبة عمل فحسب، بل صارت وسيلة للعودة إلى الصحراء من أجل المتعة.

صارت رحلات نهاية الأسبوع إلى الكثبان، مع العائلة والأصدقاء، من أعظم هوايات المنطقة. تعلّم السائقون قراءة الرمل، وتخفيض ضغط الإطارات، وصعود الكثبان في قوافل، وسحب المركبات التي غاصت حتى محاورها. وأبقى التخييم الشتوي، بنيرانه وقهوته وأمسياته الطويلة تحت النجوم، صلةً بالصحراء كانت حياة المدن قد تقطعها.

وعند حافة الربع الخالي قرب ليوا، صار الكثيب المعروف بتل مريب، الذي يقارب ارتفاعه 300 متر، ساحة لمسابقات تسلّق يحاول فيها السائقون بلوغ قمة واجهته شديدة الانحدار. ومشهد المركبات المعدّلة وهي تهدر صاعدة الرمل، أمام جموع تخيّم على الكثبان المحيطة، من أكثر مشاهد رياضة السيارات في الخليج تميّزًا.

قافلة من سيارات الدفع الرباعي تعبر الصحراء
يعبر السائقون الكثبان في قوافل، كي لا تبقى مركبة وحدها أبدًا.

الترف في الكثبان

مع الوقت ارتقت سيارة الدفع الرباعي في العالم. فقد أثبتت رينج روفر عام 1970 أن المركبة القادرة على الطرق الوعرة يمكن أن تكون مريحة وأنيقة أيضًا، وسلكت مرسيدس بنز الفئة G، التي قُدّمت أواخر السبعينيات، طريقًا مشابهًا من أصول عسكرية إلى الترف. وصارت لاند كروزر وباترول نفساهما أكثر صقلًا مع كل جيل، فأضافتا الجلد، ومكيّفًا يقوى على الصيف، وهدوءًا يجعل الرحلة الطويلة على الطريق السريع بلا عناء.

وفي الخليج صارت سيارة الدفع الرباعي الكبيرة سيارة العائلة الطبيعية: عالية بما يكفي لترى فوق الزحام، قوية بما يكفي للصحراء في عطلة نهاية الأسبوع، وواسعة بما يكفي لعائلة كبيرة وأمتعتها. ويفسّر هذا المزيج لماذا صارت المنطقة من أهم أسواق العالم لهذه المركبات، ولماذا بدأ الصانعون يختبرون ويصمّمون وأحوال الخليج في حسبانهم.

احترام الصحراء

تحمل الحرية التي جلبها الدفع الرباعي مسؤولية أيضًا. فالصحراء ما زالت خطرة على غير المستعدّين: الحرّ والرمل الناعم والضياع ونفاد الماء مخاطر حقيقية. ولا يسافر السائقون المتمرّسون وحدهم أبدًا، ويحملون معدّات السحب والماء والوقود، ويخبرون أحدًا بوجهتهم.

وهناك جانب بيئي أيضًا. فالنظم البيئية الصحراوية هشّة، والنباتات والحيوانات التي تعيش فيها تتعافى ببطء من الضرر. وتخصّص سلطات كثيرة اليوم مناطق للقيادة على الطرق الوعرة وتحمي مناطق أخرى تمامًا، والسائق المسؤول يلتزم بالمسارات المعروفة، ويعيد نفاياته معه، ويترك الصحراء كما وجدها.

سيارة دفع رباعي متوقّفة بجانب مخيم صحراوي عند الغسق
مخيم شتوي: لم يجعل الدفع الرباعي الناس يعبرون الصحراء فحسب، بل أعادهم إليها أيضًا.

الصحراء أمامنا

قد تضمّ المركبات المتوقّفة اليوم خارج مخيم صحراوي لاند كروزر كلاسيكية، وباترول حديثة، ورينج روفر، وعلى نحو متزايد سيارة دفع رباعي هجينة أو كهربائية. ستظلّ الآلات تتغيّر. أما ما لم يتغيّر فهو جاذبية الرمل نفسه.

في عمر جيل واحد صارت رحلة الأسابيع عصرية. قليلة هي الآلات التي غيّرت معنى مشهد طبيعي بهذا الكمال. ومع ذلك، في أمسية شتوية، والمحرّك مطفأ والنار مشتعلة، تبدو الصحراء كما لا بدّ أنها بدت للمسافرين الذين عبروها مشيًا وعلى الإبل. جعل الدفع الرباعي الصحراء في المتناول، لكنه لم يجعلها صغيرة.