انتقل إلى المحتوى

ساعات

النار والصبر: فن الميناء المطلي بالمينا

مسحوق زجاج، وفرن، ويد ثابتة. المينا المحروقة على النار العالية من أقدم حرف صناعة الساعات، ومن أقلّها تسامحًا.

لقطة مكبّرة لميناء ساعة فاخرة بأرقام رومانية
Alan Krantas / Pexels

ارفع ساعة جيب قديمة بميناء من المينا البيضاء إلى الضوء، وستلاحظ ما نادرًا ما تملكه الموانئ المطبوعة: العمق. يبدو البياض كأنه يتوهّج من الداخل، وتستقرّ الأرقام السوداء على سطحه كالحبر على الخزف، وبعد مئة عام أو أكثر لم يبهت اللون مطلقًا. تلك هي صفة المينا المحروقة على النار العالية، المعروفة بـ «غراند فو»، ولهذا ما زال صانعو الساعات يبذلون جهودًا استثنائية لصنعها.

زجاج على معدن

المينا زجاج. تبدأ مسحوقًا ناعمًا من السيليكا ومعادن أخرى، يُلوّن بأكاسيد معدنية: الكوبالت للأزرق، والنحاس للأخضر والفيروزي، والذهب لدرجات معيّنة من الأحمر. يُخلط المسحوق بالماء حتى يصير عجينة، ويوضع على صفيحة معدنية رقيقة، من النحاس أو الفضة أو الذهب عادة، ثم يُحرق في فرن على نحو 800 درجة مئوية أو أكثر. وفي الحرارة يذوب الزجاج ويلتحم بالمعدن، فيكوّن سطحًا صلبًا لامعًا.

ويشير مصطلح «غراند فو»، أي النار الكبرى بالفرنسية، إلى درجات الحرق العالية هذه. تُطبّق كل طبقة لون وتُحرق على حدة، وقد يدخل الميناء الفرن مرات عديدة. وبين مرة وأخرى يتفقّد الحِرفي العيوب: ذرّة غبار، أو فقاعة، أو تفاوت طفيف. وخطأ واحد قد يعني البدء من جديد.

لقطة قريبة لوجه ساعة يد فاخرة
يأتي عمق المينا من الضوء الذي ينفذ إلى الزجاج وينعكس من تحته.

المجازفة في الفرن

المينا لا تتسامح، لأن المعدن والزجاج يتمدّدان وينكمشان بمعدلات مختلفة أثناء التسخين والتبريد. فإن اختلّ التوازن التوى الميناء أو تشقّقت المينا. ولمنع ذلك يطبّق الحِرفيون طبقة من المينا على ظهر الصفيحة أيضًا، تُسمّى المينا المقابلة، كي تتساوى الإجهادات على الوجهين.

وحتى مع المهارة الكبيرة، الخسائر شائعة. فقد يتشقّق الميناء في آخر حرق بعد أسابيع من العمل، أو يظهر فيه عيب دقيق لا يبين إلا عند تبريده. لا تنشر الورش عادة نسب إخفاقها، لكن من قضى وقتًا في إحداها سيخبرك أن نسبة معتبرة من الموانئ لا تغادر طاولة العمل أبدًا. وكل ميناء ينجو قد مرّ بالنار مرات عدة. وهذا جزء مما تدفع ثمنه.

تقنيات كثيرة

أبسط موانئ المينا بيضاء خالصة بأرقام مرسومة، وهو المظهر الكلاسيكي لساعات الجيب في القرن التاسع عشر. لكن المينا فنّ أيضًا، وقد صُقلت تقنيات عدة عبر القرون.

في «الشامبلفيه» يحفر الحِرفي تجاويف صغيرة في المعدن ويملؤها بالمينا، فيشكّل المعدن حدود التصميم. وفي «الكلوازونيه» تُثنى أسلاك ذهبية دقيقة على هيئة أشكال وتُثبّت على الصفيحة، فتصنع خلايا صغيرة تُملأ كلٌّ منها بلون مختلف. أما «البليك أ جور» فيستغني عن الخلفية تمامًا، فيمرّ الضوء عبر المينا كنافذة زجاج معشّق صغيرة. وفي «الفلانكيه» توضع مينا شفافة فوق نقش محفور أو مخروط في المعدن، فيتلألأ النقش عبر اللون.

وأصعبها جميعًا الرسم المصغّر، إذ يرسم الفنان صورة على قاعدة من المينا البيضاء بفُرَش بالغة الدقة، مستخدمًا أصباغ المينا، ويحرقها مرارًا مع بناء الصورة طبقة فوق طبقة. اشتهرت جنيف بهذا الفن في القرن السابع عشر، ورسم أحد أعلامه، جان بوتيتو، صورًا شخصية بالمينا لبلاطات أوروبا.

صانع ساعات يستخدم ملقطًا لوضع قطعة دقيقة
تُصنع موانئ المينا واحدًا واحدًا، وكلٌّ منها مختلف قليلًا عن غيره.

حِرفة قديمة في المنطقة

ليست المينا غريبة عن العالم العربي. ففي القرنين الثالث عشر والرابع عشر أنتج الحِرفيون المماليك في القاهرة ودمشق زجاجًا مطليًا بالمينا ومذهّبًا، ومنه مشكاوات المساجد المزيّنة بالخط والزخارف النباتية، وهي اليوم من نفائس كبرى متاحف العالم. والزواج نفسه بين الزجاج والنار واللون يقف خلف ميناء ساعة حديث من المينا.

يمنح هذا الارتباط موانئ المينا جاذبية خاصة لدى الهواة هنا. وقد صنع عدد من صانعي الساعات موانئ مينا تحمل الخط العربي أو الزخارف الهندسية أو رموزًا من المنطقة، وتقف هذه القطع بانسجام بين تقليدين.

مينا أم تقليد

ليس كل ميناء أبيض لامع من المينا. فكثير منها من الورنيش (اللاكيه)، وهو طلاء ملوّن يُطبّق طبقات ويُصقل، قد يبدو مشابهًا جدًا للوهلة الأولى وتكلفته أقلّ بكثير. وبعضها مطبوع ببساطة على قاعدة مطلية.

وهناك دلائل. فالمينا الحقيقية المحروقة على النار العالية لها عمق خاص وتموّج ناعم طفيف على سطحها، خاصة قرب الحواف، لأن الزجاج المنصهر لا يستقرّ مسطّحًا تمامًا أبدًا. ولونها متّسق تمامًا ولا يصفرّ مع الزمن، بينما قد يتشقّق الورنيش القديم بخطوط دقيقة أو يتغيّر لونه. والصنّاع الذين يستخدمون المينا الحقيقية يذكرون ذلك بوضوح في أوصافهم دائمًا تقريبًا، وكثيرًا ما يسمّون التقنية. ويستخدم بعضهم مصطلح «بوتي فو» للمينا المحروقة على حرارة أدنى، وهي تتيح طيفًا أوسع من الألوان لكنها عملية مختلفة وأقلّ متانة. وإن ساورك الشك، فاسأل الصانع أو البائع مباشرة؛ فالموثوق منهم يسعده الشرح.

العيش مع المينا

ميناء المينا متين بمعنى ما: لونه لا يبهت، وسيبدو بعد قرن كما يبدو اليوم. لكنه زجاج، وقد يتشقّق إن سقطت الساعة بقوة. عامل ساعة المينا بالعناية التي تمنحها لقطعة خزف رفيعة، واعرضها في الصيانة على صاحب خبرة، لأن نزع العقارب والتعامل مع الميناء يتطلّبان رقّة.

وحين تنظر إلى واحد منها، فانظر عن قرب. فالتفاوتات الصغيرة في السطح واللون ليست عيوبًا بل علامات عمل يدوي. لا يتطابق ميناءان من المينا، وهذا، في عصر الاستنساخ الكامل، هو المقصود بالضبط.