أنجز استوديو أحمد الدوسري السعودي مقهى «أشجار» في الرياض، الذي يصفه مصمّموه بأنه «ملاذ حضري صغير داخل الرياض، تشكّله الحدائق والماء والظل». وقد نشر موقع العمارة «آرك ديلي» (ArchDaily) المشروع في 28 سبتمبر، وهو من تصميم المعماري أحمد الدوسري الذي قاد العمل عليه حتى اكتماله عام 2025. وبحسب «آرك ديلي»، تبلغ مساحة المقهى 785 مترًا مربعًا، والمادة المدرجة لبنائه هي الحجر.
والاسم يحدّد النبرة منذ البداية. فاسم «أشجار» يستحضر الشجر، والمشروع يجمع العمارة وتنسيق المناظر الطبيعية والتصميم الداخلي. وينسب «آرك ديلي» عمارة المناظر الطبيعية إلى مكتب «النعيمي لعمارة المناظر الطبيعية»، والتصميم الداخلي إلى «فريق أشجار»، فيما التقط صور المقهى بعد اكتماله استوديو «أيلول».
من حيث الحجم، «أشجار» مبنى متواضع. أمّا من حيث الغاية، فهو يلامس قصة أكبر في المملكة: مكانة المقهى في الحياة الاجتماعية اليومية، وسؤال كيف يُصنع مكان مريح للجلوس في مدينة صيفها طويل وحار.
مكان ثالث للرياض
في نص المشروع الذي نشره «آرك ديلي»، يضع المصمّمون «أشجار» في سياق صعود المقاهي بوصفها فضاءات اجتماعية، مشيرين إلى أن «المقاهي أصبحت مكانًا ثالثًا مهمًا لكثير من السعوديين». وقد شاع هذا المصطلح على يد عالم الاجتماع الأمريكي راي أولدنبرغ، الذي أطلقه على الأماكن التي يلتقي فيها الناس، وهي ليست البيت، أي المكان الأول، ولا العمل، أي المكان الثاني.
وفي السعودية، لهذه الفكرة جذور عميقة. فالمجلس، أي الغرفة التي يُستقبل فيها الضيوف، كان منذ زمن طويل موضعًا للحديث على فنجان قهوة. والمقهى الحديث ينقل شيئًا من هذا الدور إلى الشارع، مكانًا للقاء والحديث وقضاء الوقت بعيدًا عن البيت والمكتب معًا. وحين يتحدّث المصمّمون عن مكان ثالث، فهم يصفون عادة اجتماعية بقدر ما يصفون نوعًا من المباني.
وللقهوة هنا وزن خاص. فقد أعلنت وزارة الثقافة السعودية عام 2022 «عام القهوة السعودية». وأُدرجت القهوة العربية والعادات المرتبطة بها على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2015، في ملف مشترك قدّمته السعودية والإمارات العربية المتحدة وعُمان وقطر. ولذلك فإن مقهى مصمّمًا بعناية ينتمي إلى تقليد عريق من الضيافة بقدر ما ينتمي إلى الحياة الاجتماعية الأحدث في المدينة.

حدائق وماء وظل
العناصر الثلاثة التي يسمّيها المصمّمون من أقدم الوسائل لجعل المكان الحار مريحًا. فالرياض تقع على هضبة نجد في وسط شبه الجزيرة العربية، حيث تتجاوز درجات الحرارة صيفًا 40 درجة مئوية بانتظام. والظل يحجب الشمس عن الجدران والأرضيات والناس. والأشجار والنباتات تضيف مزيدًا من الظل وتلطّف الهواء من حولها. أمّا الماء، مرئيًا ومسموعًا، فطالما استُخدم ليمنح الفضاء الخارجي إحساسًا بالهدوء والبرودة.
وقد قامت حدائق الأفنية في العالم الإسلامي، بقنوات مياهها وممرّاتها الظليلة، على المبادئ نفسها. ولا تربط المادة التي نشرها «آرك ديلي» مقهى «أشجار» بنموذج تاريخي بعينه. لكن المصمّمين، حين يسمّون الحدائق والماء والظل قوى شكّلت المقهى، يستندون إلى أفكار استخدمها أهل هذه المنطقة منذ قرون.
والأسماء المذكورة في فريق العمل تشير إلى الاتجاه نفسه. فتخصيص مصمّم مستقل للمناظر الطبيعية، هو مكتب «النعيمي لعمارة المناظر الطبيعية»، يوحي بأن الحدائق عوملت جزءًا من المشروع لا إضافة لاحقة، انسجامًا مع اسم يعني الأشجار.
مبني من الحجر
الحجر هو المادة الوحيدة المدرجة للمشروع، وهو يلائم المناخ. فللحجر كتلة حرارية عالية: يمتصّ الحرارة ببطء ويطلقها ببطء، ما يساعد المبنى على الحفاظ على حرارة أكثر استقرارًا خلال أشدّ ساعات النهار حرًّا. كما يصمد جيدًا أمام الشمس القوية والغبار، ويتبدّل طابع سطحه مع انتقال الضوء من الصباح إلى المساء.
وللاختيار منطق إقليمي أيضًا. ففي أنحاء شبه الجزيرة العربية، عمل البنّاؤون أجيالًا بالمواد الأقرب إلى أيديهم، من الطوب اللبن في نجد إلى الحجر المرجاني على ساحل البحر الأحمر. ومقهى من الحجر في الرياض يواصل هذه العادة في البناء بمادة طبيعية صلبة تتقدّم في العمر بجمال في مناخ قاسٍ.

مقهى على مقياس جلسة العصر
يذهب معظم الاهتمام بعمارة الرياض إلى مشاريعها الكبرى. أمّا مقهى مساحته 785 مترًا مربعًا فيعمل على مقياس آخر: مقياس حديث، ولقاء مع الأصدقاء، وفنجان قهوة. وعلى هذا المقياس يلتقي معظم الناس بعمارة مدينتهم كل يوم.
و«أشجار» هو أيضًا عمل استوديو سعودي يبني في عاصمة بلاده. ونشره على «آرك ديلي»، أحد أكثر مواقع العمارة قراءة، يحمل هذا العمل، ومعه فكرة المصمّمين عن مقهى حديقة يشكّله المناخ، إلى جمهور دولي.
وبالنسبة إلى ثقافة المقاهي في المملكة، يقدّم المشروع حجة بسيطة: أن مكان شرب القهوة يمكن أن يكون أيضًا قطعة عمارة مدروسة، تُخطَّط فيها الحدائق والماء والظل معًا. ففي مدينة صيفها طويل وحار، الظل هو أول ما ينبغي أن يقدّمه مقهى جيد، ومصمّمو «أشجار» يسمّونه واحدًا من القوى التي شكّلت تصميمهم.
المصادر: ArchDaily
